جليلة السلمان حول فصل التلاميذ على خلفية شعار سياسي: تعديلات لائحة الانضباط السلوكي بعد 2011 سهّلت التعامل مع العقوبات بذاتية.

2015-03-02 - 10:27 م

مرآة البحرين (خاص):زادت في الأعوام الأخيرة قضية توقيف وزارة التربية والتعليم للطلبة أو فصلهم على خلفية ترديد شعار سياسي، بعد أحداث 14 فبراير تحديداً. يكفي أن يردد أحد الأطفال في المرحلة الابتدائية شعاراً سياسياً مناهضاً للسلطة ليتم اتخاذ إجراء عقوبي ضده وتوقيفه عن الدراسة لأيام قد تصل إلى شهر دراسي كامل.

حيث تم فصل عدد من طلاب مدرسة الدير الإبتدائية للبنين ممن لم يتجاوزوا الحادية عشر من العمر في 17 أبريل 2011 بسبب "هتافهم بإسقاط الملك"، وكذلك فصل عدد من طلاب مدرسة شهركان الإبتدائية للبنين لأيام بعد هتافهم بالشعار ذاته في باص المدرسة. وفصلت عشرات الطالبات من مدرسة يثرب الإعدادية للبنات ممن لم تتجاوز أعمارهن الخامسة عشر عاماً، كذلك تم فصل 8 طالبات على الأقل من مدرسة مدينة حمد الثانوية للبنات، و11 طالبة على الأقل من مدرسة الحورة الثانوية للبنات خلال العام 2011.

وفي 8 يناير 2013، أوقفت وزارة التربية طالباً في الصف الثاني الابتدائي لمدة 10 أيام بعذر ترديده عبارة سياسية. مرآة البحرين حاورت الأستاذة جليلة السلمان نائب رئيس جمعية المعلمين حول مساؤى هذا التوقيف أو الفصل وأضراره النفسية والاجتماعية والسياسية على الطالب بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام.

مرآة البحرين: بماذا تفسرين إقدام وزارة التربية على فصل تلاميذ في المرحلة الابتدائية بسبب ترديد شعار سياسي؟

جليلة السلمان: مبدأ الفصل لتلاميذ الابتدائي لا يمكن لأي تربوي أن يقبل به، مهما اختلفت آراؤه وانتماءاته الفكرية أو السياسية، كما لا يمكن القبول بموضوع فصل الأطفال في مرحلة مبكرة كالابتدائية على أنه إجراء تأديبي دون النظر لأسباب ونتائج هذا الفصل.  

الفصل بحد ذاته عندما تمارسه مؤسسة حكومية خدمية كبيرة جداً كوزارة التربية فهو بصمة لا يمكن اخفاؤها وإعلان صريح منها على فشلها الذريع في احتواء أطفال المدارس وتوجيههم التوجيه السليم وضبط سلوكياتهم، خصوصاً بعد أحداث 14 فبراير. كما أن فصل أطفال المرحلة الأساسية في التعليم هو مخالفة جذرية لقانون إلزامية التعليم الذي ينص صراحة على ضرورة توفير التعليم للأطفال في هذه السن التزاما بالعهود الدولية التي صادقت عليها البحرين. والمفارقة أن قانون إلزامية التعليم يعاقب الأب على حرمان ابنه من التعليم تحت أية ذريعة في حين نجد أن وزارة التربية هي من تكسر القانون الذي وضعته وتحرم الصغار من التعليم دون حسيب أو رقيب ودون ادنى واعز عن ضرر هذه الخطوة.

نؤكد على أن الفصل هو إجراء غير تربوي وهو إجراء العاجز عن حل مشاكله ويجب الاشارة أن هذه العقوبة لم تكن مدرجة أصلاً كعقوبة في لائحة الانضباط الطلابي، الا انه بعد التعديلات التي طالت هذه اللائحة بعد ثورة 14 فبراير مكنت كثيرين من إساءة استخدام النصوص المكتوبة وخصوصا انها تركز الذاتية وقناعة الشخص في موضوع الفصل.

مرآة البحرين: بحكم المرحلة العمرية، هل تعتقدين أن الأطفال يعون البعد السياسي للشعار السياسي الذي يرددونه لتكرار سماعهم له؟

السلمان: الطفل هو انعكاس البيئة، وما يحدث في بيئته وتحت نظره يوميا لابد وأن ينعكس عليه سلبا أم إيجابا، فإذا سلمنا بأن الطفل قام بترديد شعار سياسي، فأين هي الجريمة الحقيقية؟ هل هي بترديد وعكس حياته اليومية وخصوصا ونحن نتحدث عن أطفال المرحلة التعليمية الأساسية، يعني بين 6-12 سنة. مايعني أنهم ومنذ أن كانت أعمارهم بين 2-8 سنوات وهم يعيشون الوضع البحريني يوميا.

بل إن تجريمهم ومعاقبتهم لترديد شعار سياسي ما يناقض ما يتم تدريسه لهم في مادة التربية للمواطنة من حقوق وواجبات وتركز في أذهانهم حقهم في ترديد وقول ما يريدون ويعتقدون وأيضا حقهم في الاعتراض والمناقشة لكن القائمين على التربية يعلمون اأاطفال ما لايريدونهم أن يطبقوه.

برأيي الخاص أن الأطفال لا يمكنهم فهم الشعار السياسي كما يفهمه الكبار، لذا يجب عدم معاقبتهم بعقوبات لا تتناسب والمرحلة العمرية ولا يستوعبها الطفل كما لايقبلها البالغ وهذا دور من يدعّون بأنهم تربويون ويعملون على صياغة وتعديل لائحة الانضباط الطلابي بناء على مفهومهم الخاص وليس حسب مقدرة الطفل واستيعابه وهم يعكسون رغباتهم في عقاب من يخالفهم لا تحسين سلوكه في هذه المرحلة التي يكون فيها الطفل سريع التأثر.

مرآة البحرين: برأيك هل يمكن محاكمة أطفال على ترديد شعارات سياسية يتلفظون بها بسبب كثرة سماعهم لها في البيئات التي يعيشونها؟

السلمان: مع الأسف أصبحت البحرين رائدة في انتهاكات حقوق الطفل بكل المستويات فمن كيفية التعامل معهم داخل المدارس وخارجها إلى موضوع الحرمان من التعليم بذرائع مختلفة إلى تسليمهم احضاريات لمثولهم للتحقيق ومعاقبتهم بالحبس وصولا إلى المحاكمات. المستغرب حقاً والمخجل في نفس الوقت أن يحاكم الأطفال بتهم الكبار وهم لا يفهمون حتى معنى هذه التهم فما بالك بالاتيان به. وكما نرى فإن تهم الأطفال كلها تنحصر في موضوع التعبير عن الرأي كما هو مُعَرّف في العهد الدولي لحقوق الانسان ومع هذا يعاقب الصغار كما الكبار وبنفس الأسلوب والكيفية.

ولا يوجد أقسى من منظر أطفال في قاعة المحكمة وكأنهم في قاعة فصل دراسي لكثرة عددهم ولا ننسى ما حدث للطفل قاسم محمد يوسف (10 أعوام) نتيجة قرار غير تربوي وماحدث له نتيجة لذلك وغيره كثر.

مرآة البحرين: ما الأسلوب التربوي المناسب الذي تعتقدين على وزارة التربية سلوكه لضبط هذا الجانب، بدلاً من فصل التلاميذ وتهديد مستقبلهم الدراسي؟

السلمان: ماتقوم به وزارة التربية من فصل هو عقاب مباشر للطفل وأهله، فكيف سيكون مستقبل طفل أجبر على ترك مقعده الدراسي بموافقة رأس الهرم التربوي في بلده؟ وكيف سيكون مستقبل بلد اعتمد على حرمان أبنائه من تعليمهم عقابا لهم؟

لا يمكن نكران أن الفصل يؤدي للتسيب وعدم تقدير المرحلة العمرية للطفل ينعكس بالتاكيد سلبا على الطفل عند هكذا ممارسات

ماهي الرسالة التي توجه للطفل جراء الفصل؟ أنت تمارس حقك في حرية التعبير؟ اذا لماذا تعلمونهم في المواطنة الحقوق والواجبات؟ اذا كانت كلمة معبرة عن احد الحقوق ستفصلونه بسببها وأيضا .. الا تكرس هذه الخطوة التجهيل؟

الواجب على وزارة التربية أن تتخذ خطوات موفقة لحماية الأطفال وغرس صفات محببة ليس بالعنف والإجبار بل بالممارسة العملية. لقد علق وزير التربية في حديث سابق أن الوزارة قامت بمعالجة  5000طفل نفسيا تضرروا جراء الأحداث! فإذا كان صادقاً فيما ذهب إليه لماذا لا يوسع إطار هذه المعالجة لتشمل كل طلاب الابتدائي فما يعيشونه في يومهم أكبر بكثير من احتمالهم وقدرتهم، طبعا إن نظرنا للموضوع من ناحية تربوية وطبقنا الخصائص العمرية للمرحلة مالها وما عليها.

جانب آخر يجب الاهتمام به وهو إعادة صياغة هذه اللائحة الجبارة بطريقة تربوية بحتة بعيدة عن التأثر وروح الانتقام، فمثلا ما المانع من عقاب الطالب بما يعود بالفائدة على مدرسته ويزيد تعلقه بها؟ لماذا لايكون عقابه مثلا غرس وردة في مدرسته؟ لماذا لا يُعاقب بأن يكون مسئولا عن زاوية في مدرسته؟ لماذا لا تكون مسئوليته متابعة نظافة جزء من حديقة المدرسة تحت إشراف معلمه؟ لماذا يكون عقابهم سلبيا؟ ما الضير أن يكون العقاب ايجابي يعود بالنفع عليه وعلى الآخرين؟ هذا ما يجلب أن تحويه اللائحة وليس الفصل والعقاب.

مرآة البحرين: ما الأثر النفسي/ الاجتماعي/ السياسي الذي قد يتركه فصل الأطفال بسبب ترديد شعار سياسي على تكوين الطالب وتوجهاته تجاه الوزارة والدولة؟

السلمان: الطفل بطبيعته مندفع وغير مقدر للعواقب لا لجهله بل لصغر سنه وتجربته وما يتمتع به من خصائص في هذه المرحلة، لذا فإن عملية الفصل قد تنقله لعالم لا يعرفه، أو تنقله للمستشفى كما حصل مع الطفل قاسم الذي تضرر نفسيا نتيجة قرار قاس. إضافة إلى أن الفصل يؤدي لاختلاط وتداخل المفاهيم لديه فتكون الوزارة تسببت بمشاكل جديدة عوضا عن حلها أو المساهمة في حلها.

على المستوى الاجتماعي ستتكاثر الأمية والجهل وسيظهر أثر ذلك ولو بعد حين فبعد أن كانت البحرين رائدة في القضاء على الأمية سيتوجب عليها وضع خطط جديدة وترصد لها الميزانيات لتجاوزها، فالأفضل عدم السير في هذا الطريق، كما ستخلق بطالة من نوع مختلف وسيتزايد عدد العاطلين عن العمل ليخلق ضغطا كبيرا على الدولة.

على المستوى السياسي: ستضطر الدولة لوضع الخطط والبرامج لتجاوز الواقع الذي تخلقه سياساتها الحالية كما ستكون مجبرة على تعديل صورتها الخارجية وكل هذا يخلق ضغطا سياسيا كبيرا .

وفي كل الأحوال، بالنسبة لي كتربوية.. لايمكنني القبول أبدا بالفصل كعقاب لأي طالب وفي أي مرحلة، ليس فقط بسبب ترديد شعارات سياسية كما هو سائد حاليا بل لأي سبب آخر، فعلاج الأمر هو مايحل الإشكال وليس الهروب منه. هذا اذا كنا فعلا مؤمنين بأن التعلم هو تعديل واكتساب سلوكيات مطورة تخدم الفرد والمجتمع لايمكن أن نقبل الفصل بأي حال بوصفه علاجاً، بل هو بلاء ستظهر اثاره لاحقا دون أدنى شك.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus