»

إيان ليندزي: "أنا تشارلز بليجريف"!

2014-12-14 - 2:14 ص

مرآة البحرين (خاص): في 1816 كان حاكم البحرين عبدالله بن أحمد آل خليفة يترقب بشغف وصول "الكابتن بروس"، المقيم السياسي البريطاني في الخليج، على ظهر سفينته. إنها الزيارة الأولى للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، زيارة طال انتظارها. شهقة الفرحة كانت تملأ قلب وعقل البدوي الذي يفكر في الغنيمة القبلية لا الدولة الوطنية، كما تحاول أن توهمنا كتابات العائلة الحاكمة.

هو العقل والقلب والسلوك نفسه لم يتغير في سلالة العائلة. في 1843 كان محمد بن خليفة، "البدوي الأرعن" حسب وصف المؤرخ ناصري الخيري، ينتظر أيضا الحليف البريطاني لينصره على عمه، الذي كان أول أصدقاء آل خليفة لـ"القبيلة الكبرى" (بريطانيا)، كما كان يصفها القبليون الذين لم يفهموا معنى الدولة.

وفي 1869 كان عيسى بن علي ينتظر البريطانيين ليحضروه من الزبارة ليكون حاكما يقر بأنه لن يتصرف في شبر من البحرين دون استئذان من نصبوه. وفي 1923 كان حمد بن عيسى ينتظر بوارج البريطانيين تحاصر المنامة وتجبر أباه على خلع نفسه، ليتسلم هو مقاليد السلطة وسط معارضة القبائل الموالية. وفي 1926 انتظر هو نفسه وصول المستشار الإنجليزي بليجريف ليدير شؤون حكمه، بالنيابة عنه!

لم ينقطع هذا الانتظار يوما، ففي 2013 قال لهم الملك حمد بن عيسى علنا "من قال لكم أن ترحلوا؟" نحن ننتظركم منذ 1816 وحتى اليوم، نحن ننتظركم، هذه الجزيرة شركة بيننا وعلاقتنا معا تحددها مصالحنا المشتركة في هذه الشركة.

وقبل أن تنتهي 2014 كان البريطانيون قد عادوا فعلا إلى البحرين، وأعادوا معهم مصطلحات الإمبريالية في القرن التاسع عشر: "شرق السويس"، أي الخليج. فبمناسبة مرور 200 عام على اتفاقية الاحتلال الأولى، وقّع ملك البحرين اتفاقية جديدة مع البريطانيين منحتهم قاعدة بحرية عسكرية، مدفوعة الثمن هذه المرة. عودة لا تزال تثير ضجة في الإعلام الإنجليزي والغربي، الذي لم يفهم أسباباً لها سوى تقديم "الحماية" و"الدعم" للنظام البحريني على الأرض مجدداً!

البحرين في نظر العائلة غنيمة قبلية، وهم "يستثمرونــها" مع الأجنبي الإنجليزي الاستعماري منذ توقيع اتفاقية الصداقة أو السلام البحرين في 1820. كانت هذه الاتفاقية تريد تأمين طريق التجارة من أعمال القراصنة، وكان آل خليفة وقتها أكبر تجار القراصنة، إذ جعلوا البحرين سوقا لبيع بضائع قراصنة الخليج.

الشاهد على أن آل خليفة لا زالوا حتى اليوم يجدون في بريطانيا الشريك التجاري في غنيمتهم (البحرين)، هو ما قاله مؤخراً تحقيق "فايننشال تايمز" الذي أكّد أن الملك حمد باع نفسه أراض بحرية ليكون شريكا في مشاريع استثمارية كبرى، كلفتها تساوي مليارات الدولارات، بالاشتراك مع مصارفٍ إسلامية. ثم قام بإنشاء مجموعة شركات مهّمتها "الاستثمار في لندن"، وقد اشترت هذه الشركة أكثر من 21 عقارا استثماريا فاخرا في بريطانيا، بأكثر من 900 مليون دولار، رأس مالها أراضٍ البحر المدفونة!

ومن لندن، تدير شركة "بريمير"، جهاز الملك الاستثماري، كل أعمال الملك الخاصة في البحرين (مشروع بحرين باي، مشروع ديار المحرق، وغيرها)، وهي مشاريع عوائدها مليارات الدولارات سنويا، وقيمتها الاستثمارية تزيد على 22 مليار دولار.

وبفضل بريطانيا، يمتلك حمد بن عيسى وعائلته اليوم، فندق "فور سيزونز"، وأحد فنادق "الماريوت"، ومبنى تجاري قرب محلات "هارودز"، بعاصمة الضباب!

"فايننشال تايمز" نقلت عن شخص مطّلع على المعاملات المالية لشركات الملك قوله إن "الشّركة اختارت لندن كجنّة استثمارات".

لهذا، فما يحدث اليوم، ليس استدعاء مجردا للتاريخ الإمبريالي، إنما هو تكامل مصالح، سياسي تجاري، تختلف أدواته باختلاف الظرف الزماني، ويبقى المكان واحدا: سواحل البحرين.

أما الشخوص، فإنّها وإن تغيّرت، فهي لا شك تعيد نفسها بنفسها: على سبيل المثال، يقرّب كثيرون شخصية السفير البريطاني في المنامة "إيان ليندزي"، بالمستشار البريطاني "تشارلز بليجريف" (1926-1957). فمواقف "ليندزي" وتصريحاته المكثّفة مؤخّرا، لم تدع مجالا للشك بأنّه ليس أكثر من موظّف بريطاني في حكومة البحرين، كـناطق رسمي، ومنسّق عسكري وتجاري، في خدمة الدبلوماسية البحرينية، والأمن، والإعلام، والاقتصاد، وإصلاح القضاء، ومكافحة الإرهاب، وبالطبع: الرد

على المعارضة... وأخيرا فهو أيضا "خليل الملك"، لولا أنّه لم يسم ابنه بـ"حمد" كما فعل بلجريف!

ترسخ القبيلة الحاكمة معادلة "التحرر من بريطانيا = التحرر من آل خليفة". الاثنان حكاية استبداد، والتحرر من هذه الحكاية يتطلب كسر هذه الانتظار، الممتد من 1816 وحتى اليوم.

النسخة الانكليزية


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus