مطر مطر: القتال من أجل الدّيمقراطية، ودعم الاستبداد، في وقت واحد!

2014-10-21 - 11:42 م

لا يمكن محاربة تطرف داعش بمقاتلات ف-16 البحرينية

مطر مطر، موقع لوبلوغ

ترجمة: مرآة البحرين

للمرّة الثّانية في تاريخها الحديث، تُتاجر الولايات المتّحدة الأمريكية بدعمها للديمقراطية وحماية حقوق الإنسان الأساسية في البحرين كجزء من جهودها لتحقيق الديمقواطية ولحماية حقوق الإنسان في بلد آخر من بلاد المسلمين.

ففي مارس/آذار 2011،, بينما كان الرّئيس الأمريكي أوباما يعدّ ائتلافًا للقضاء على نظام القذّافي في ليبيا، كانت القوّات السّعودية والإماراتية تتوجّه نحو البحرين لدعم القمع الشّديد للمتظاهرين غير المسلّحين، المطالبين بالديمقراطية.

وفي كتابها "خيارات صعبة"، تكشف وزيرة الخارجية الأمريكية السّابقة هيلاري كلينتون، عن أنّ مسؤولًا إماراتيًّا رفيع المستوى مارس الضّغط عليها وطلب منها التكتّم على معارضة الولايات المتّحدة لهذا الاجتياح إن رغبت في مشاركة الإمارات العربية المتّحدة في حملتها ضد نظام القذّافي. وتقتبس عنه قوله: "صراحةً، عندما تكون قوّاتنا المسلّحة في البحرين في وضعٍ معيّنٍ، من الصّعب علينا المشاركة في عملية عسكرية أخرى، مع تشكيك حليفنا الرّئيسي في التزام قوّاتنا المسلّحة هناك." وقد نجح في هذا الأمر. ففي وقتٍ لاحق من اليوم نفسه، وفي تناقض حاد في رد وزارة الخارجية الأمريكية على تدخّل روسيا في شبه جزيرة القرم، أصدرت كلينتون بيانًا يهدف إلى طمأنة السعودية والإمارات، مفاده أنّ تدخّلهما في البحرين كان شرعيًّا.

وفي الوقت نفسه، كان جزء كبير من الشعب البحريني يتعرّض للقمع، والتّعذيب والاعتقال، ولم يحدث هذا أبدًا على مرّ التاريخ في بلادنا. وبما أنّنا لا نملك القدرة على حماية الشّعب من انتهاكات مماثلة، قرّرت مع عدد من زملائي الاستقالة من مناصبنا في المجلس النّيابي احتجاجًا. وتمّ اعتقالي بعدها أثناء محاولتي إعلام العالم بالوفيّات النّاتجة عن القمع والتّعذيب المبرحين. ولكنّ كلينتون كانت راضية بهذه المقايضة، إذ كتبت في مذكّراتها: "شعرت بالرّاحة لعدم تفريطنا في مبادئنا أو مصداقيّتنا."

وتواجه البحرين اليوم وضعًا مماثلًا. إذ تحتاج الولايات المتّحدة إلى مظهر وجود تعاونٍ عربيّ قويّ ضد الدّولة الإسلامية في العراق والشّام (داعش) (لا لأنّ الولايات المتّحدة تحتاج في الواقع إلى دعم مقاتلات F-16 البحرينية)، ممّا يسمح للنظام البحريني الفرصة بعقد صفقات مُجحفة بحق الشّعب البحريني من دون أي انتقاداتٍ من واشنطن.

ومضى النّظام قُدُمًا هذه المرّة، مدّعيًا حصوله على الإجماع من خلال ما شكّل بوضوح "حوارًا وطنيًا" مزيّفًا-وهو رد الحكومة على الضّغط الدّولي للمصالحة عقب قمع الحركة المطالبة بالديمقراطية.

ويسيطر حاكم البلاد المطلق، الملك حمد بن عيسى، على كل مراكز السّلطة. فهو الذي يُعيّن كل كبار القضاة، وأعضاء مجلس الشورى في البرلمان، وأعضاء الحكومة، التي يرأسها خليفة بن سلمان، والذي يُعتبر أقدم رئيس وزراء في العالم (إذ تمّ تعيينه للمرّة الأولى عندما كان نيكسون رئيسًا للولايات المتّحدة). بالإضافة إلى ذلك، أعطى الملك نفسه الحق في منح الأراضي العامّة والجنسية لمن يشاء. وقد أساء استخدام هذه السلطات بطريقة واسعة ومنهجية عبر جمع الثّروة ضمن عائلته و عبر إعطاء امتيازات لحلفائه من الأقلّيّة السّنّية[ و بعض الأفراد الشيعة الموالين للنظام] في البحرين.

وفي 12 أكتوبر/تشرين الأوّل 2011، أي بعد نصف عام من انطلاق الانتفاضة البحرينية، أطلقت الجمعيات السياسية المعارضة، والتي تمثّل أكثر من نصف سكّان البلاد، برنامجًا تفصيليًا للإصلاح الديمقراطي في البحرين، تمت تسميته بوثيقة المنامة. وتضمنت هذه الوثيقة طريق تحوّل منظّم نحو ملكية دستورية، والتّأكيد على انتخاب حكومة شاملة تمثّل كل البحرينيين في مجلس الوزراء، والبرلمان، والمؤسّسات الأمنية والقضائية. ودعت بشكلٍ خاص إلى تشكيل نظام انتخابي يتضمّن دوائر انتخابية عادلة؛ وانتخابات حرّة؛ وسلطة تشريعية تتكوّن من مجلس واحد منتخب بدلًا من السلطة التّشريعية الحالية المؤلّفة من مجلسين، أحدهما يُعيّنه الملك والآخر منتخب؛ كما دعت إلى سلطة قضائية مستقلّة؛ وإلى إشراك الشّيعة في كل المناصب في الجهازين العسكري والأمني.

وبدلًا من تبنّي هذه الأفكار، قدّم الملك غير المُساءل إصلاحات زائفة، فيما تتظاهر الحكومة الأمريكية، التي تضع نصب أعينها إبقاء مقر أسطولها الخامس في البحرين وإبقاء مقاتلات ال F-16 البحرينية حاليًّا في سماء العراق وسورية، بأنّ هذه الإصلاحات حقيقية. ويمثّل "الحوار الوطني،" الذي كان يجري بين كرٍّ وفرٍّ منذ يوليو/تمّوز عام 2011، نقطة مركزية في هذه الادّعاءات. وفي الواقع، لم يكن إلّا حوارًا أحادي الجانب، مع اعتقال قادة المعارضة الأساسيّين بشكلٍ منهجي.

وفي الشّهر الفائت، عيّن الملك ولي العهد سلمان بن حمد ليتولّى أوّل دورٍ سياسي حقيقي له في الحكومة-وهو الأخذ بزمام المبادرة في إغلاق باب الحوار وعرضه ما اعتبره "أرضية مشتركة". ومن بين أمورٍ أخرى، اقترح ولي العهد خطّة لا فائدة منها[Matar1] لإعادة رسم الدّوائر، وأقرّها الملك لاحقًا بمرسومٍ ملكي. وبناءً على هذه الخطّة، تحصل الدّوائر الشّيعية [وحلفاؤهم من السنة الداعمين للتغيير]، التي تحتوي على 65% من إجمالي عدد السّكّان، على 45% من المقاعد في البرلمان تقريبًا. ومن الواضح أنّ خطّة إعادة رسم الدّوائر تهدف إلى تقليص التّفاوت في حجمها من خلال تشتيت المعارضة في دوائر ذات غالبية موالية للنّظام. وبالإضافة إلى ذلك، يبقى التّفاوت في حجم الدّوائر هائلًا. [Matar2]

ويتعلّق جزء آخر من هذه "الأرضية المشتركة" المزعومة بتشكيل الحكومة، والتي لا بدّ من موافقة الغالبية في المجلس النيابي المنتخب عليها. وإن فشل البرلمان في الموافقة على الحكومة المعيّنة ثلاث مرّات، فسيتم حلّه.

وقد رفض آلاف البحرينيين هذا الاقتراح في تظاهرة نُظمت في 19 سبتمبر/أيلول في غرب المنامة، وأظهرت ثبات الحركات المطالبة بالديمقراطية، التي صمدت على الرّغم من القمع الممارس ضدّها في السنوات الثلاثة ونصف السّنة الأخيرة.

ومع ذلك، بناء على "الأرضية المشتركة" المزعومة، تنوي الحكومة الآن إجراء انتخابات في 22 نوفمبر/تشرين الثّاني.

والوقت ضيق لتفاوض بنّاءٍ بين المعارضة والنّظام لحلّ هذه الخلافات السّياسية، وتحتاج الولايات المتّحدة الأمريكية إلى آذانٍ تصغي إليها. لا ينبغي على واشنطن الظن بأنّ الحفاظ على مصالحها يتطلّب منها التزام الصّمت حول ضرورة تحقيق إصلاحٍ ديمقراطي حقيقي في البحرين. وفي الواقع، فإن فشلها في خرق لهذا الصمت سيضر بمصالحها الخاصّة في العراق وسورية. وبينما يُشارك النظام البحريني من خلال مقاتلات ال F-16 التّابعة له في الحملة الجوّيّة ضد الدولة الإسلامية، لا تزال سياساته في التمييز الممنهج ضد الغالبية الشيعية في البلاد وتحريضه المستمر ضد البحرينيين الشّيعة عبر وسائل الإعلام (ووصفهم بأنّهم عملاء لإيران والولايات المتّحدة في الوقت نفسه!) يخلق جوًّا مثاليًّا لاحتضان الإرهابيين الذين يعتبرون أنّ الأمريكيين والشّيعة عدوهم الأكبر. وبالإضافة إلى ذلك، وبينما تقوم الحكومة الأمريكية بتدريب "قوّات الأمن" البحرينية التي تستبعد الشيعة (انطلاقًا من أسس طائفية)، يبدو أنّ بعض البحرينيّين الذين يعملون لصالح هذه الأجهزة نفسها غادروا البلاد للقتال إلى جانب مقاتلي داعش.

ومع ذلك، عندما نشر النّاشط البارز في مجال حقوق الإنسان نبيل رجب تغريدة على موقع تويتر مؤخّرًا يقول فيها إنّ أجهزة الأمن هي الحاضنة الفكرية لعقيدة التّطرف والمواقف المعادية للولايات المتّحدة في البحرين، تمّ اعتقاله على خلفية "تشويهه سمعة المؤسّسات الحكوميّة."

البحرين دولة صغيرة، ولكنّها تمثّل اختبارًا حرجاً لمصداقية الولايات المتّحدة. فقد تاجرت حكومة أوباما بديمقراطية البحرين مرّةً من قبل. إذ لم تُسفر ثلاث سنوات من إراقة الدّماء في البحرين عن تطرّف بعض عناصر المعارضة هناك فحسب، بل غرست أيضًا ثقافة الإيذاء والإفلات من العقاب لدى الحكومة البحرينية وأجهزة الأمن، حيث يلجأ البعض منهم الآن يلجأ إلى داعش لإشباع رغبتهم الجديدة في التّعطّش للعنف. وأي نفع محتمل تظن الولايات المتّحدة أنّها ستُجنيه من مشاركة مقاتلات F-16 التّابعة للنّظام "السّنّي" المستبد وغير المحاسب في الحملة الجوّيّة ضد الدّولة الإسلامية ["السنية" لتفادي إعطاء الحرب صبغة طائفية]، فقد تمّ التّعويض عنه بالتطرّف المذهبي الذي تستمر هذه الدول الحليفة المزعومة بالتحريض عليه (والترويج له) على أراضيها.

لا ينبغي لواشنطن المتاجرة بديمقراطية البحرين مجدّدًا. ومع القليل من الاهتمام والتّشجيع، قد يتمكّن الرّئيس الأمريكي أوباما -من لعب دور بناء في التحول الديمقراطي في هذه الدّولة العربية وادعاء الحصول على نتيجة إيجابية واحدة على الأقل في رصيد "انتصاراته" (الفارغ حاليًّا).

 

النص الأصلي


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus