«كارنيغي للسلام»: لمقاربة أمريكية جديدة في الخليج تجعل البحرين محور الإصلاح في المنطقة

2014-03-12 - 2:40 م

مرآة البحرين: دعت دراسة حديثة لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي الأمريكية، الولايات المتحدة إلى تبني مقاربة جديدة لأمن الخليج تقوم على جعل البحرين محورا لتعزيز الإصلاح في منطقة الخليج العربي. 

وقالت الدراسة التي أعدها فريدريك ويري، الباحث في برنامج الشرق الأوسط بمؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي، "ينبغي أن توجّه المقاربة الأميركية الجديدة نحو تمكين المعتدلين البراغماتيين في المعسكرات المعارضة للتوصل إلى نتيجة أفضل حالة"، موضحاً "ينبغي أن تتمثّل هذه النتيجة في استئناف الحياة السياسية البرلمانية مع توفير عملية انتخابية عادلة، وهو الأمر الذي تفتقر إليه البحرين منذ العام 2002، والقضاء على عمليات التلاعب في حدود الدوائر الانتخابية التي جعلت الكتل السنّية هي المهيمنة حتى الآن".

ورأى ويري بأنه "لكي تجبر كلا الجانبين على التوصل إلى هذه النتيجة، يجب على الولايات المتحدة أن تواصل مشاركتها المستدامة ورفيعة المستوى مع أسرة آل خليفة، وتوضح بحزم، ولكن بصورة ودّية، بأن المصالحة مع المعارضة القائمة على التوصّل إلى حل وسط تخدم جميع الأطراف وتشكّل جزءاً لايتجزأ من أمن الدولة في مرحلة ما بعد العام 2011".

ويقول "صحيح أن هذه تعدُّ مشكلة دبلوماسية، ولكن الأدوات العسكرية يمكن أن تساعد كذلك. وإذا ما تدهور الوضع في البحرين، عندها ينبغي على المسؤولين الأميركيين إعداد خطة طوارئ مناسبة لنقل مقرّ الأسطول الخامس الأميركي" على حد تعبيره.

ولفت ويري إلى ضرورة أن "تنخرط أسرة آل خليفة بشكل غير مباشر في هذا الجهد من خلال الدول المؤيّدة لها، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة"، مضيفا "يجب إقناع الرياض وأبو ظبي بأن الإصلاح أمر ضروري لاستقرار واستدامة الوجود العسكري الأميركي في البحرين، وإلا فإنهما لن تشجّعا الإصلاحات، وربما تحاولان لعب دور المخرّب".

وطالب ويري الرئيس باراك أوباما بـ"إعداد خطاب رفيع المستوى يتبنّى رؤية شاملة وإيجابية للتحالف بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، يقوم على دعم الأمن والإصلاح في نفس الوقت".

وقال "الوقت مناسب الآن لتوجيه خطاب هام، يُفضَّل أن يلقيه الرئيس الأميركي، يهدف إلى توضيح رؤية استراتيجية إيجابية للمنطقة، ويؤكد مجدَّداً التزام الولايات المتحدة بالتحالفات الإقليمية في الخليج، ويصف الإصلاحات اللازمة".

وأضاف "ينبغي أن يشمل مثل هذا الخطاب إعادة صياغة وبيان مصالح الأمن القومي الأميركي الحيوية (...) على أن تلتزم الولايات المتحدة بصورة واضحة في توسيع البنية الأمنية الإقليمية على نطاق دول مجلس التعاون الخليجي، وينبغي أن تقدّم كذلك رواية قوية حول متطلّبات الإصلاح السياسي الجادّ من أجل تحقيق الاستقرار على المدى الطويل واستدامة الشراكة بين الولايات المتحدة والخليج".

واعتبر ويري أن "السياسة الأميركية في البحرين تواجه التحدّي الأكثر حدة. فقد اجتاحت موجة متفاقمة من الاحتجاجات والقمع المملكة منذ العام 2011. واتّبع كلا طرفي النزاع، العائلة المالكة السنّية وكوكبة من نشطاء المعارضة، تكتيكات تصعيدية واستراتيجية تتمثّل في أن الفائز يأخذ كل شيء، ما أدّى إلى تبادل الاتّهامات وضياع فرص التوصّل إلى تسوية".

ويقول "يبدو أن المتشددين داخل العائلة المالكة مرتاحون بسبب النزعة "الطبيعية الجديدة" في سياسة الولايات المتحدة التي تعفيهم من تقديم إشارات حقيقية للمعارضة. وقد عانت جمعية "الوفاق"، التي تمثّل التيار الرئيس في المعارضة الشيعية، من موقف تفاوضي متشدّد ناتج، في جزء منه، عن اتجاه رافض ومتشدّد في صفوف المعارضة" على حد تعبيره.

يشار إلى أن كاتب الدراسة، فريدريك ويري هو باحث أول في برنامج الشرق الأوسط بمؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي. وتركّز أبحاثه على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج العربي وليبيا والسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط عموما. ويعكف ويري حالياً على استكمال دراسته لنيل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية في كلية سان أنطونيو بجامعة أكسفورد. تبحث أطروحته في السياسة الطائفية في البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت بين 2003-2011.

فيما يلي نص الدراسة كاملة:

مقاربة أميركية جديدة لأمن الخليج
فريدريك ويري
10 مارس/ آذار 2014

يشوب التوتّر علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية في الخليج الفارسي بسبب السياسات المتباينة تجاه التغيّرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والمخاوف التي تعتري دول الخليج من أن تتخلّى الولايات المتحدة عنها، فضلاً عن التوترات غير المسبوقة داخل دول الخليج. وقد حاولت واشنطن طمأنة شركائها الخليجيين بقوة تحالفها الأمني معهم في الوقت الذي كانت تدعو إلى إصلاحات تحريرية. ومع ذلك، كانت السياسات الداخلية لدول الخليج مخالفة لهذه الدعوات بصورة متزايدة. وخلافاً لبعض الافتراضات، ليس ثمّة حاجة لأن تتناقض أهداف الطمأنة والإصلاح مع بعضها البعض. إذ أن التأكيد على الحاجة الملحّة إلى إجراء التغييرات المؤسّسية التي تشتد الحاجة إليها يعزّز التزام الولايات المتحدة بالأمن الإقليمي الدائم. ولذا، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تركّز أكثر على تعزيز الإصلاحات السياسية وكذلك على إصلاح قطاع الأمن في منطقة الخليج. فهذه أمور تعتبر بالغة الأهمية لاستقرار المنطقة على المدى الطويل، وهي يمكن أن تتحقق من خلال قيام واشنطن بدمج استخدامها للأدوات الدبلوماسية والعسكرية على أفضل وجه.
توصيات لواشنطن

استخدام المبيعات العسكرية الخارجية بصورة أكثر تأنّياً وانتقائية لبناء القدرات الدفاعية لدول الخليج وتعزيز الإصلاح الداخلي. تعزّز المبيعات العسكرية الأميركية الالتزامات الأمنية الأميركية لمنطقة الخليج بشأن التهديدات ذات الاهتمام المشترك. غير أن حجب المواد العسكرية، ولاسيّما تلك التي تستخدم في القمع الداخلي والمواد ذات القيمة العالية التي توفّر الهيبة للأنظمة الخليجية، يمكن أيضاً أن يرسل إشارة حول قلق الولايات المتحدة بشأن السياسات المحلية الخليجية، وربما يجبر الأنظمة الخليجية على سنّ إصلاحات محدّدة.
تعزيز التركيز على إصلاح القطاعين السياسي والأمني في مجال الأنشطة الدولية للتعليم والتدريب العسكرية. يجب أن تركّز المناهج الدراسية الخاصة بالضباط الأجانب في الكليات العسكرية الأميركية أكثر على الربط بين الإصلاحات المؤسّسية والسياسية وبين الأمن المستدام.

الإعداد لتقديم خطاب رفيع المستوى يتبنّى رؤية شاملة وإيجابية للتحالف بين الولايات المتحدة وبلدان مجلس التعاون الخليجي. يجب على الرئيس الأميركي إلقاء خطاب يؤكّد فيه مجدّداً التزام الولايات المتحدة بالتحالفات الإقليمية في الخليج والتأكيد على أهمية القيام بإصلاح سياسي هادف وذي معنى.

جعل البحرين محور التشجيع الأميركي على الإصلاح في الخليج. يتعيّن على الإدارة الأميركية أن تمكّن المعتدلين في الحكومة والمعارضة من تحقيق مصالحة تقوم على أساس خريطة طريق للإصلاحات السياسية والمؤسّسية. وإذا ماتدهور الوضع في البلاد، يجب على واشنطن إعداد خطة طوارئ لنقل مقرّ الأسطول الخامس الأميركي من البحرين.
شراكة متوتّرة

كشفت التحوّلات الدراماتيكية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط عن وجود خلافات حادّة بين واشنطن وبين الدول العربية في الخليج الفارسي. إذ أن هناك شعوراً متزايداً في العواصم الخليجية بأن الولايات المتحدة قوة في طور التراجع وتتجاهل مصالح شركائها المخلصين، هذا إن لم تكن تخونهم بكل سرور. وقد انتقدت أنظمة مجلس التعاون الخليجي، بقيادة المملكة العربية السعودية، الولايات المتحدة بسبب ما تعتبره استسلاماً ساذجاً للطموحات النووية الإيرانية في المفاوضات المستمرة بين الطرفين، وتقليلاً من الخطر الإقليمي لجماعة الإخوان المسلمين، والتردّد الخطير بشأن التدخّل في سورية . كما أن إعلان واشنطن عن "الاستدارة" الاستراتيجية باتجاه آسيا والانسحابات شبه الكاملة لقواتها العسكرية من العراق وأفغانستان يدقّ ناقوس الخطر أكثر.

إن مخاوف البلدان الخليجية من تخلّي الولايات المتحدة عنها ليست بالجديدة، فهي متجذّرة في بنية العلاقة بين الطرفين. وبسبب كونها دولاً صغيرة تعتمد على راعٍ أكثر قوة، فقد كانت دول مجلس التعاون الخليجي قلقة على الدوام من احتمال أن تتخلّى واشنطن عنها لصالح جيران أكثر منافسة أو الإيقاع بهم في حرب إقليمية من صنعها.

لكن الجديد بشأن موجة التهويل الأخيرة يتمثّل في ارتفاع مستوى الصوت وقوة الردود الخليجية. وقد تبنّت دول الخليج سياسة خارجية ناشطة وحازمة على نحو متزايد في جميع أنحاء المنطقة. في بعض الحالات، عارضت هذه السياسات مصالح الولايات المتحدة أو حتى أضعفتها. ويعدّ تمويل عملية إقصاء الجيش المصري لحكومة محمد مرسي وتمويل جماعات المعارضة الراديكالية السلفية في سورية المثالين الأكثر أهمية على سياسات الدول الخليجية. وقد دعت المملكة العربية السعودية إلى تبنّي سياسة دفاعية خليجية أكثر قوة، بحيث تشمل تشكيل "قيادة عسكرية موحدة" لقوات دول مجلس التعاون الخليجي، وأصدرت تهديدات مبطّنة للولايات المتحدة بشأن البحث عن شركاء عسكريين في أماكن أخرى.

في الوقت نفسه، وردّاً على احتمال حدوث حملة تعبئة شعبية اندلعت شراراتها بسبب الانتفاضات العربية في العام 2011، زادت دول الخليج من وتيرة القمع الداخلي. ونتيجة لذلك، غالباً ماتكون سياساتها الداخلية مخالفة لدعوة الإدارة الأميركية إلى توفير قدر أكبر من الإصلاحات وحقوق الإنسان في المنطقة. ففي كثير من الأحيان عمدت دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتنسيق مع بعضها البعض، إلى تكميم أفواه رجال الدين ممن يعبّرون عن آرائهم بصراحة وسجن النشطاء وترحيل الوافدين، وسنّ قوانين رقابية صارمة. كما أن الخطوات الصغيرة ولكن المشجعة نحو إطلاق الحريات السياسية والاقتصادية التي اتّخذتها أنظمة الخليج في السنوات العشر الأخيرة توقّفت تقريباً، وتراجعت في كثير من الحالات.

هناك مؤشرات مثيرة للقلق من هذا النوع في الخليج، غير أن الأحداث في مملكة البحرين تلخّص هذا الاتجاه. ففي تلك الدولة تواجه السياسة الأميركية التحدّي الأكثر حدة. فقد اجتاحت موجة متفاقمة من الاحتجاجات والقمع المملكة منذ العام 2011. واتّبع كلا طرفي النزاع، العائلة المالكة السنّية وكوكبة من نشطاء المعارضة، تكتيكات تصعيدية واستراتيجية تتمثّل في أن الفائز يأخذ كل شيء، ما أدّى إلى تبادل الاتّهامات وضياع فرص التوصّل إلى تسوية. ويبدو أن المتشددين داخل العائلة المالكة مرتاحون بسبب النزعة "الطبيعية الجديدة" في سياسة الولايات المتحدة التي تعفيهم من تقديم إشارات حقيقية للمعارضة. وقد عانت جمعية "الوفاق"، التي تمثّل التيار الرئيس في المعارضة الشيعية، من موقف تفاوضي متشدّد ناتج، في جزء منه، عن اتجاه رافض ومتشدّد في صفوف المعارضة.
المقاربة الأميركية الحالية

منذ خريف العام 2013، كانت استراتيجية الولايات المتحدة تركّز بشكل رئيسي على التأكيد مجدّداً لدول الخليج على متانة الدعم الأميركي، من خلال التشديد على أن الولايات المتحدة تشارك دول الخليج مخاوفها بشأن التهديدات الإقليمية، وخاصة الإيرانية، وأنها سوف توفّر الأمن وفقاً لذلك. وبصورة ملموسة أكثر، واصلت الولايات المتحدة توريد شحنات الأسلحة المقرّرة إلى بلدان الخليج (بما في ذلك الصفقة التي تمت مؤخراً والبالغة 11 مليار دولار)، وأعلنت عن خطط لتوسيع مقرّ الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية في البحرين، وزادت من وتيرة مبيعات الأسلحة إلى المنطقة بموجب برنامج المبيعات العسكرية الخارجية على مدى السنوات الست الماضية. ومع أن جذور جزء كبير من هذا النشاط سبقت الجولة الحالية من الخلاف بين دول الخليج والولايات المتحدة، فإن الجهود المبذولة تخدم تعزيز رسالة واشنطن الهادفة إلى طمأنة دول الخليج.

كان مسؤولون أميركيون كبار عبّروا علناً عن دعمهم المتواصل للإصلاح السياسي في منطقة الخليج. غير أن الواقع يبدو مختلفاً تماماً، من الناحية الظاهرية على الأقل. ويبدو هذا صحيحاً خاصة في ضوء التصوّر السائد بأن الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما تقلّص برامج تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط، والتي واجه الكثير منها، مثل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية، معارضة شديدة من جانب دول مجلس التعاون الخليجي منذ بداية الانتفاضات العربية.

وفيما يستعدّ أوباما للقيام بزيارة إلى المملكة العربية السعودية في نهاية شهر آذار/مارس 2014، يجب على واشنطن اتّخاذ موقف قوي يدعم مصالحها المستمرة في المنطقة، واحتمال أن يستمر قادة الخليج في إدخال الإصلاحات. وعلى الولايات المتحدة أن تراجع استراتيجيتها الخاصة بالتطمين في منطقة الخليج وضمان أنها تنطوي على محاولة لإقناع حلفائها بأن إصلاح المؤسّسات السياسية وقطاع الأمن والحقوق والحريات الممنوحة للمواطنين، سوف يسهم في نهاية المطاف في خدمة الاهتمام الحيوي للولايات المتحدة والخليج في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

إعادة التأكيد على العلاقات واستخدام تأثير أكثر فعّالية

يجب على الإدارة الأميركية وضع استراتيجية استباقية تحضُّ دول الخليج على إجراء إصلاحات داخلية أكثر جوهرية لاستكمال الجهود الجارية بالفعل لإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالدفاع الخارجي عن هذه الدول. ولذا يتعيّن على صنّاع القرار الأميركي إدراك حقيقة كيف أن الحثّ على الإصلاح وإعادة تأكيد الالتزامات الأمنية يمثّلان هدفين يعزّز أحدهما الآخر، وليسا مجرّد هدفين استثنائيين.

من خلال الحثّ على القيام بإصلاحات، يمكن للولايات المتحدة أن تبلغ حلفاءها أنه في الوقت الذي تهتم فيه بأمن الدولة، فإنها تدرك أيضاً أنه لايمكن تحمّل الوضع السياسي الراهن في المنطقة. فقد ربط وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل بين الإصلاح من أعلى إلى أسفل وبين زيادة قوة الدولة في حوار المنامة بشأن أمن الخليج في كانون الأول/ديسمبر 2013، مؤكداً أن "الاستقرار والإصلاح السياسي شريكان أساسيان". والواقع أن المؤسّسة الأمنية الأميركية بدأت تدرك، في السنوات التي تلت بداية الربيع العربي الدرامي في العام 2011، كيف أن الإصلاح الداخلي التدريجي في دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يقلّل من مخاطر عدم الاستقرار السياسي الذي يتحدّى المصالح الأميركية الأساسية، مثل أهداف الطاقة ومكافحة الإرهاب.

ولكي تتجاوز التصريحات العلنية، تحتاج الولايات المتحدة إلى اتباع استراتيجية أكثر شمولية تنسق فيها بشكل متزامن بين مختلف أدوات السياسة الخارجية الأميركية، ابتداءً من الأمن وانتهاءً بالدبلوماسية. وينبغي على واشنطن كذلك أن تستخدم أدوات نفوذها القائمة بطريقة أكثر تكاملاً لدفع عملية الإصلاح السياسي والمؤسّسي في سياق التطمينات الاستراتيجية.

للقيام بذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تتعرّف على أشكال التأثير العديدة التي تمتلكها وتستفيد منها، ولاسيّما في مجال الأمن. وعلى الرغم من دعوات دول الخليج إلى مزيد من الاكتفاء الذاتي في المجال العسكري، لاتزال القوات العسكرية في دول مجلس التعاون تعتمد على الولايات المتحدة للحصول على الدعم الحيوي في القيادة والسيطرة والخدمات اللوجستية والاستخبارات. يضاف إلى ذلك أن الخلافات السياسية وعدم الثقة المتبادلة حالت دون تطوّر مجلس التعاون الخليجي إلى منظمة دفاع جماعي حقيقية. في نهاية المطاف، لاتزال الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة، ولا توجد قوة خارجية أخرى، سواء كانت روسيا أو الصين أو حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو الهند، قادرة أو على استعداد للقيام بدور أميركا.

ويصحّ هذا حتى في أماكن مثل البحرين، حيث يتم استخدام العداء لأميركا (في وسائل الإعلام والبرلمان على سبيل المثال) من جانب المتشدّدين السنّة لردع الجهود الغربية والأميركية التي تحثُّ على انتهاج سياسات أكثر شمولية تجاه المعارضة في البلاد. وقد استخدمت واشنطن بالفعل تأثيرها في البحرين إلى حدّ ما. إذ أوقفت كل المبيعات العسكرية إلى البحرين بعد أن قمع النظام بعنف الاحتجاجات الشعبية في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2011. في العام 2012 قرّرت الإدارة الأميركية رفع الحظر الذي كان مفروضاً على معظم هذه المبيعات، ومعظم المواد المتبقية التي بقي الحظر مفروضاً عليها هي ذات استخدام مزدوج للسيطرة على الحشود في الداخل. مع ذلك، وفي ظل حالة الجمود القائمة بين الحكومة ومعارضيها والتي تؤجّج العناصرالراديكالية داخل المعارضة، هناك الكثير مما ينبغي القيام به.

لاحاجة لأن يهدّد الضغط على الحلفاء المقرّبين بشأن القضايا المتعلقة بشؤونهم الداخلية مجالات التعاون حول مجموعة من الأولويات الاستراتيجية، سواء تمثّل ذلك في إيجاد نهاية للصراع في سورية ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في مصر، أو في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني. إذ يعتمد أمن الدولة على الأفضلية العسكرية في مواجهة التهديدات الخارجية وعلى تعزيز ثقافة سياسية جامعة في الداخل. وتشكّل البحرين مرة أخرى مثالاً على ذلك. إذ يهدّد الوضع الراهن على نحو متزايد المصالح البحرينية، وكذلك الأميركية، من خلال جعل صعود معارضة أكثر راديكالية يمكن تهدّد في نهاية المطاف الوجود الأميركي في البحرين أمراً واردا. وبالتالي يجب على الولايات المتحدة أن توضّح لحلفائها أنه من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي المرغوب فيه بصورة متبادلة، يتعيّن على الحكومات أن تستبق مطالب التغيير من خلال سنّ إصلاحات جوهرية.

يجب على الولايات المتحدة أن تقرّ بدورها بوصفها الشريك الأقوى وأن تتصرّف على هذا النحو، وأن تشعر بالثقة في القيام بذلك. وهذا يعني، في المقام الأول، أنه يجب على الدبلوماسيين الأميركيين المخاطرة بإثارة القضايا المزعجة التي غالباً ما تكون مثيرة للجدل بشأن الإصلاح السياسي الداخلي، مع إدراكهم أنه على الرغم من أن هذا التصرف قد يثير شيئاً من الغضب، فإنه لن يقوّض أو يهدّد العلاقة الاستراتيجية الكبيرة. وبصورة أكثر منهجية، ينبغي على المسؤولين الأميركيين دمج الجوانب العسكرية والدبلوماسية لأدوات السياسة الأميركية لتشجيع الإصلاح.

مبادرات المساعدة الأمنية

استخدام المبيعات العسكرية الخارجية بصورة أكثر تأنياً وانتقائية بهدف بناء القدرات الدفاعية لدول الخليج وتعزيز الإصلاح الداخلي. فالمبيعات العسكرية الأميركية تعزّز الالتزامات الأمنية الأميركية تجاه الخليج بشأن التهديدات ذات الاهتمام المشترك. غير أن حجب المواد العسكرية، ولاسيّما تلك المستخدمة في عمليات القمع الداخلي والمواد ذات القيمة العالية التي توفّر الهيبة لأنظمة الخليج، يمكن أيضاً أن يرسل إشارة حول قلق الولايات المتحدة بشأن السياسات المحلية الخليجية وربما يجبر الأنظمة الخليجية على سنّ إصلاحات محدّدة.

حقّقت الجهود الأولية لفرض شروط على مبيعات الأسلحة الخارجية نتائج متباينة. على سبيل المثال، في البحرين، كان غرض السياسة الأميركية من ذلك هو التأثير في حسابات النظام باتجاه إجراء إصلاحات، غير أنه تم تطبيق الشروط بطريقة شاملة. وعلاوة على ذلك، لم يكن الضباط العسكريون الأميركيون العاملون في مكتب التعاون الأمني في السفارة الأميركية في المنامة مجهّزين بصورة جيدة للتعبير عن أهداف وقف مبيعات الأسلحة لنظرائهم البحرينيين. وبالتالي فقد أصبح هذا التعتيم والغموض مصدر إزعاج في العلاقات بين البلدين، وخلق احتكاكاً في التفاعلات العملانية بين موظفي الدفاع الأميركيين ونظرائهم المحليين.

ولكي تمضي قدماً، يجب أن تكون سياسة الولايات المتحدة بشأن المبيعات العسكرية الخارجية في الخليج أكثر تعاوناً وابتكاراً، ومصمّمة بحيث تناسب أولويات الولايات المتحدة الخاصة بالدفاع الخارجي والإصلاح الداخلي لكل بلد. ينبغي أن تبدأ المبيعات العسكرية الخارجية بحوار بين الولايات المتحدة ودول الخليج بشأن التهديدات المستقبلية وإجراء مناقشة صريحة حول ضرورة القيام بإصلاحات سياسية داخلية. وينبغي كذلك ألا يتم بيع المواد ذات الاستخدام المزدوج التي قد تستخدم لقمع المعارضة الداخلية للحكومات التي لديها سجلّ في مجال انتهاكات حقوق الإنسان. وعندما يتم ربط المبيعات العسكرية بشروط، ينبغي على المسؤولين الأميركيين التعبير عن نقاط هامة وواضحة عن الإصلاح تفهمها الحكومة الشريكة وأفراد مكتب التعاون الأمني المكلفون بإدارة المبيعات العسكرية الخارجية والتفاعل مع المسؤولين العسكريين المحليين بصورة يومية. ويقدم التوجيه الرئاسي الصادر في كانون الثاني/يناير 2014 بشأن عمليات نقل الأسلحة التقليدية مبادئ توجيهية إضافية يمكن أن تستخدم في صياغة المناقشات بين الولايات المتحدة ودول الخليج بشأن المبيعات العسكرية، بما في ذلك كيفية التوفيق بين بواعث القلق المتعلّقة بحقوق الإنسان والاستقرار الإقليمي وأهداف بناء القدرات الدفاعية.

تحسين التعاون بين الوكالات لتعزيز سيادة القانون وتحسين تنسيق البرامج الأمنية والمدنية. إذ يجب ويمكن لوزارتي العدل والخزانة، وكذلك المكتب الدولي لشؤون المخدرات وإنفاذ القانون التابع لوزارة الخارجية، أن يعملوا معاً لضمان إدراج أنشطة التعاون الأمني في المجموعة الأوسع من الأنشطة الأميركية في كل دولة خليجية، والتي تركّز على بناء المؤسّسات المحلية ورسائل الإصلاح. وينبغي لهذه الجهات أن تعمل على تمويل الإصلاحات التكنوقراطية في مجالات مثل إصلاح أجهزة الشرطة وإعادة تأهيل السجون، وبناء القدرات القضائية لتعزيز سيادة القانون داخل المؤسّسات المحلية القائمة. ويمكن لزيادة التعاون بين الوكالات أن تضمن تنسيق هذه البرامج المدنية مع برامج التدريب الفنية المناسبة التي ترعاها وزارة الدفاع الأميركية. في البحرين، على سبيل المثال، هذا الأمر قد يعني التركيز على إدماج أعداد أكبر من الشيعة في جهاز الشرطة وقوات الدفاع البحرينية.

تعزيز التركيز على ترقية الإصلاح في الأنشطة الدولية للتعليم والتدريب العسكري. وينبغي على وزارتي الدفاع والخارجية أن تستعرضا مشاركة دول الخليج في برامج الأنشطة الدولية للتعليم والتدريب العسكري لضمان مشاركة الضباط من المستويين المتوسط والصغير الذين يحتمل أن يتسنّموا مناصب السلطة في وقت لاحق في حياتهم المهنية. ويجب أن يجنّد البرنامج كبار المسؤولين من المؤسّسة الدفاعية لكل بلد. كما ينبغي أن يتم تحديث المناهج التدريبية الخاصة بالضباط الأجانب في كليات الأركان الأميركية بحيث تعكس الضرورات الاستراتيجية الجديدة في الشرق الأوسط، وإجراء مناقشة أكثر وضوحاً للمواضيع المختلفة مثل تنويع الخدمات الأمنية وسلوك الشرطة والاستجابات المدنية والعسكرية للتهديدات الداخلية. بالإمكان كذلك صياغة هذه المواضيع في ضوء القضية الأكبر المتمثّلة بالاستقرار الإقليمي، والتأكيد على أن الأمن الدائم يتوقّف على القيام بإصلاح سياسي حقيقي وعلى الشمولية في قطاع الأمن.

ضمان أن تؤكّد المشاركة العسكرية الأميركية على جميع المستويات على أهداف الإصلاح. ولكي تمارس تأثيراً على عملية الإصلاح بصورة فعّالة، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تستفيد من تفاعلات الاتصال المتكرّر من جانب مسؤوليها مع نظرائهم في الخليج في مجالي الأمن والدفاع على كل المستويات العملانية. ففي كثير من الأحيان، يسلم كبار المسؤولين العسكريين رسائل تؤكد على الإصلاح لنظرائهم في الخليج، لكن على المستوى المتوسط والصغير، يجري تخفيف هذا التركيز أو إلغاؤه بسبب الحاجة إلى الحفاظ على علاقات عمل "ودية".

ينبغي على وزارة الدفاع وبالتعاون مع وزارة الخارجية أن تتأكد من أن جميع المسؤولين في القيادة المركزية الأميركية وعناصر الخدمة المشاركين في مجال التعاون العسكري مع دول الخليج ضليعون في معرفة الأهداف الشاملة للسياسة الأميركية الخاصة بمنطقة الخليج، بحيث يدرجون في جداول أعمالهم تعزيز الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان.

إنشاء آليات أكثر صرامة للإشراف على مبادرات مكافحة الإرهاب الأميركية في الخليج. ينبغي على حكومة الولايات المتحدة العمل مع الأنظمة الخليجية لضمان أن المؤسّسات ذات الصلة بالأمن القومي، مثل محاكم مكافحة الإرهاب التي أنشئت في إطار جهود مكافحة الإرهاب المشتركة والتي بدأت أعمالها بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر لاتستخدم لقمع المعارضة السياسية السلمية. فقد حاولت دول الخليج منذ فترة طويلة إقناع الولايات المتحدة بأن سجن أو ترحيل الناشطين المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين، أو الجمعيات السياسية الشيعية، أو حتى الشبكات السلفية المحافظة، كلها أمور تندرج تحت عنوان "مكافحة الإرهاب"، بينما تشكّل العديد من هذه الجهات الفاعلة في الحقيقة معارضة سياسية مشروعة. ولذا يجب على الولايات المتحدة استخدام علاقات التعاون القوية التي تربطها بدول مجلس التعاون الخليجي بشأن قضايا مكافحة الإرهاب لتعزيز تبادل المعلومات وتطبيق مزيد من التدقيق والتشكيك عندما تواجه هذه المزاعم.
المبادرات الدبلوماسية

إعداد خطاب رفيع المستوى يتبنّى رؤية شاملة وإيجابية للتحالف بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. الوقت مناسب الآن لتوجيه خطاب هام، يُفضَّل أن يلقيه الرئيس الأميركي، يهدف إلى توضيح رؤية استراتيجية إيجابية للمنطقة، ويؤكد مجدَّداً التزام الولايات المتحدة بالتحالفات الإقليمية في الخليج، ويصف الإصلاحات اللازمة. ينبغي أن يشمل مثل هذا الخطاب إعادة صياغة وبيان مصالح الأمن القومي الأميركي الحيوية التي أوردها أوباما في خطابه أمام الأمم المتحدة في العام 2013 (والتي تنطبق في الغالب على دول مجلس التعاون الخليجي). ولذا ينبغي أن تلتزم الولايات المتحدة بصورة واضحة في توسيع البنية الأمنية الإقليمية على نطاق دول مجلس التعاون الخليجي، وأن تضع الخطوط العريضة لخريطة طريق تفضي إلى إنجاز تلك البنية. وينبغي أن تقدّم كذلك رواية قوية حول متطلّبات الإصلاح السياسي الجادّ من أجل تحقيق الاستقرار على المدى الطويل واستدامة الشراكة بين الولايات المتحدة والخليج.

استخدام الدبلوماسية العامة والخاصة برويّة ولكن بصورة منتظمة لإثبات الالتزام بعملية الإصلاح. ينبغي على المسؤولين الأميركيين في الإدارات والوكالات المختلفة توضيح حقيقة أن الولايات المتحدة سوف تعبّر عن رأيها بحرية إذا ما تم اعتقال أو قمع الناشطين والصحافيين والمحامين والمعارضين الذين يطالبون بالتغيير السلمي. إذ تختلف انتهاكات المعايير الدولية في ما يتعلق بالحريات المدنية من بلد خليجي إلى آخر، ولذلك ينبغي على حكومة الولايات المتحدة أن تقرّر الأولويات الخاصة بكل دولة على حدة. إذ يحتمل أن تكون حرية تكوين الجمعيات، على سبيل المثال، أولوية بالنسبة إلى البحرين، وحرية الصحافة والإنترنت أولوية بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وحقوق العمال أولوية بالنسبة إلى الكويت والمملكة العربية السعودية. ومن ثمَّ يجب على المسؤولين الأميركيين توضيح التوصيات المصمّمة لكل واحدة من تلك الحكومات.

في بعض الحالات، وقّعت الأنظمة الخليجية معاهدات أو اتفاقيات دولية توفّر للولايات المتحدة أسساً للحريات المدنية والحقوق السياسية، يمكن لواشنطن أن تستخدمها كمعايير. ومن هنا يجب أن يكون جميع المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم مسؤولو مؤسّستي الجيش والمخابرات الذين يتفاعلون مع نظرائهم الخليجيين، على دراية بالمجالات التي تهم الولايات المتحدة. فأي قضايا إصلاحية يعبّر عنها المسؤولون الأميركيون في العلن ينبغي أولاً أن يتم الإبلاغ عنها بحزم وراء الأبواب المغلقة وعلى أعلى المستويات.

جعل البحرين محور تعزيز الإصلاح الأميركي في الخليج. ينبغي أن توجّه المقاربة الأميركية الجديدة نحو تمكين المعتدلين البراغماتيين في المعسكرات المعارضة للتوصل إلى نتيجة "أفضل حالة". وينبغي أن تتمثّل هذه النتيجة في استئناف الحياة السياسية البرلمانية مع توفير عملية انتخابية عادلة، وهو الأمر الذي تفتقر إليه البحرين منذ العام 2002، والقضاء على عمليات التلاعب في حدود الدوائر الانتخابية التي جعلت الكتل السنّية هي المهيمنة حتى الآن.

ولكي تجبر كلا الجانبين على التوصل إلى هذه النتيجة، يجب على الولايات المتحدة أن تواصل مشاركتها المستدامة ورفيعة المستوى مع أسرة آل خليفة، وتوضح بحزم، ولكن بصورة ودّية، بأن المصالحة مع المعارضة القائمة على التوصّل إلى حل وسط تخدم جميع الأطراف وتشكّل جزءاً لايتجزأ من أمن الدولة في مرحلة ما بعد العام 2011. صحيح أن هذه تعدُّ مشكلة دبلوماسية، ولكن الأدوات العسكرية يمكن أن تساعد كذلك. وإذا ما تدهور الوضع في البحرين، عندها ينبغي على المسؤولين الأميركيين إعداد خطة طوارئ مناسبة لنقل مقرّ الأسطول الخامس الأميركي.

ويتعيّن على الدبلوماسيين تشجيع جمعية "الوفاق" الشيعية على الالتزام بتجنّب المطالب المبالغ فيها، مثل دعوتها إلى إبعاد رئيس الوزراء، وهو الأمر الذي سيكون في صالح المعسكر المتشدّد. ففي ظروف مثالية، يمكن أن تقبل جمعية الوفاق الحصول على زيادات محدودة في سلطتها البرلمانية، مثل الحق في الموافقة على المرشحين للمناصب الوزارية.

ويجب أن تنخرط أسرة آل خليفة بشكل غير مباشر في هذا الجهد من خلال الدول المؤيّدة لها، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبالتالي يجب إقناع الرياض وأبو ظبي بأن الإصلاح أمر ضروري لاستقرار واستدامة الوجود العسكري الأميركي في البحرين، وإلا فإنهما لن تشجّعا الإصلاحات، وربما تحاولان لعب دور المخرّب.

كما ينبغي أن تدعم الجهود الدبلوماسية الأميركية تنفيذ تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق باعتباره خريطة طريق للإصلاح. إذ يتناول تقرير لجنة تقصّي الحقائق، الذي تم إعداده بتكليف من الملك وحظي بتأييده، المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبيرة للطائفة الشيعية في البحرين، حتى في الوقت الذي يحافظ فيه على الترتيبات السياسية الحالية، بما في ذلك المؤسّسة الملكية. ومن خلال العودة إلى التوصيات الواردة في التقرير المذكور والتركيز على استمرار التقدم، يمكن للولايات المتحدة طمأنة حلفائها في المنطقة أنها لاتسعى إلى إنهاء النظام الملكي لآل خليفة ولا إلى تشكيل حكومة ذات أغلبية شيعية، وإنما إلى زيادة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجميع البحرينيين. وينبغي على الكونغرس الأميركي أن يقوم بدور فعّال في الإشراف على الجهود الدبلوماسية الأميركية لدعم تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير لجنة تقصّي الحقائق من خلال عقد جلسات استماع متكرّرة مع وزارة الخارجية وخبراء خارجيين مستقلين وشهود بحرينيين بمن فيهم المعارضون.

تعزيز عقد اجتماعات متعدّدة الأطراف على مستوى وزارتي الخارجية والدفاع بهدف تعزيز التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي. يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى جعل مجلس التعاون الخليجي مؤسّسة أمنية متعدّدة الأطراف أكثر قابلية للاستمرار وتعزيز الاستقرار في المنطقة، بدلاً من مجموعة من العلاقات الثنائية. وبالتالي فإن هذا الهدف يتطلّب استمرار الجهود الأميركية للتغلّب على العقبات المستحكمة التي تحول دون قيام تكامل عسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي، مثل انسحاب سفراء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين في قطر مؤخّراً بسبب دعم الدوحة للإخوان المسلمين. وللتخفيف من انعدام الثقة هذا، ينبغي على وزارتي الخارجية والدفاع عقد المزيد من المنتديات الحوارية متعدّدة الأطراف مع وزارات الخارجية والدفاع في دول الخليج بهدف مساعدة الموظفين العاملين في هذه الوزارات على تطوير رصيدهم وزيادة تعاونهم في مجال الإصلاح. وتمثّل اجتماعات منتدى التعاون الأمني التي ترعاها وزارة الخارجية الأميركية وإعلان وزير الدفاع تشاك هاغل مؤخراً عن اجتماعات دفاعية على مستوى الوزراء بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي ميداناً قيّماً لتعزيز قدر أكبر من التماسك ضمن دول الخليج. ولذا يجب أن يدفع المسؤولون الأميركيون باتجاه أن تركّز هذه الاجتماعات على التوصل إلى تعريف شامل للأمن يشمل الإصلاح السياسي. وينبغي على الولايات المتحدة أيضاً أن تبني على المجالات القائمة من التعاون العسكري المتعدّد الأطراف الناجح ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، مثل الدفاع البحري ومكافحة القرصنة، التي تحمل تكلفة سياسية منخفضة نسبيّاً بالنسبة إلى الدول منفردة.

تنشيط فعاليات مبادرة الشراكة الشرق أوسطية في الخليج وتوفير حماية أفضل للمستفيدين من المنح. فقد ركّز المستفيدون من المنح المتعلّقة بمبادرة الشراكة الشرق أوسطية في الغالب على مشاريع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي غير المثيرة للجدل، مثل تدريب سيدات الأعمال وجهود تشجيع تنمية الأعمال التجارية الصغيرة. غير أن المناخ السياسي الحالي في الخليج يقدّم بيئة عمل متميّزة ومليئة بالتحدّيات للجهات المستفيدة من المنح، بسبب وصمة العار المناهضة للولايات المتحدة التي تلحق بمتلقّي المنح ولأنه يتم فحص وتدقيق حسابات الكيانات غير الحكومية المدعومة من الخارج بعناية واضطهادها بصورة متزايدة من جانب الحكومات الإقليمية.

إن على وزارة الخارجية الأميركية أن تعيد النظر في مقاربتها الخاصة بمساعدات مبادرة الشراكة الشرق أوسطية، بما في ذلك كيف وأين يجب أن تتم عملية تقديم المنح وكيف يمكن لمتلقّي على المنح أن يعملوا في المنطقة لدفع عجلة الإصلاح. ويجب على واشنطن أن تقف إلى جانب القرارات الخاصة بالمساعدة التي تقدمها عندما يتم اتّخاذها وتوفير الحماية لمتلقّي منحة مبادرة الشراكة الشرق أوسطية والخريجين والمنظمات عندما يتعرّضون لتهديد مباشر بفرض عقوبات قانونية عليهم أو لضغط سياسي من الأنظمة الخليجية.
الانتقال إلى عهد جديد

يجب على الولايات المتحدة ممارسة قدر أكبر من تأثيرها بشكل فعّال لتحقيق الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها في الخليج. غير أن القيام بذلك في ظل المناخ الحالي من الخلاف بين الولايات المتحدة والخليج بشأن السياسة الإقليمية تجاه سورية وإيران ومصر سيكون صعباً باعتراف الجميع. ولكن ينبغي على المسؤولين الأميركيين ألا يقعوا في فخّ التفكير في أن تعزيز الإصلاح الداخلي يجب أن يحتلّ منزلة أدنى لتأمين تعاون دول الخليج بشأن أولويات الولايات المتحدة في المنطقة. ولعل اتباع مقاربة شاملة للأمن تتضمن معالجة الأسباب الجذرية للاضطرابات السياسية والاجتماعية لايعكس القيم الأميركية بصورة أفضل من المقاربة الحالية وحسب، بل يبدو ضرورياً بصورة متزايدة للحيلولة دون حصول تحدّيات خطيرة لقادة الخليج والممتلكات الأميركية والشعب الأميركي.

لقد أكد القادة الأميركيون المتعاقبون على هذه الأولوية في خطاباتهم، بيد أنه يجب تسريع جهود السياسة الأميركية، ولاسيّما في ضوء الديناميات الإقليمية المتغيّرة. فتطبيق تأثير متدرّج على القضايا التي تمتلك فيها الولايات المتحدة تفوقاً واضحاً في النفوذ سيتوافق بصورة أكثر فعالية مع استراتيجيتها الطموحة.

 

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus