هذرة في حضرة الظهراني

عبدالهادي خلف - 2011-06-24 - 11:21 ص




عبدالهادي خلف*

رفضت السلطة طوال خمسة عقود أن تتحاور مع أيٍ من فصائل المعارضة. إلا إننا نراها الآن تدعو إلى فخ تسميه "حوار حول التوافق الوطني".  فهي لا تبحث عن مخارج من  المنحدر الجديد الذي دفعت البلاد إليه بعد أن إستدعت القوات السعودية لإنقاذها. بل هي لا تبحث حتى عن سبل لإعادة إجتذاب أطراف داخلية وطمأنتها وخاصة بعد أن أدت الحملة الأمنية إلى سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى وإعتقال  المئات ناهيك عن الآلاف من المتضررين بمن فيهم  المفصولين من أعمالهم أو مدارسهم.  

فدعوة الحوار هي إستجابة لضغط حكومة الولايات المتحدة الأميركية التي تواجه إحراجاً أخلاقياً بصمتها المعيب عما يحدث في البحرين من إنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان بينما يرتفع صوتها في إدانة أنظمة أخرى تمارس الإنتهاكات التي يمارسها حليفها في البحرين.  إلا أن دعوة الحوار صيغت بحيث لا يقود مساره إلى نتائج  تغضب الحاضنة السعودية أو تحدث شرخاً في وحدة العائلة الخليفية.  أي أن المقصود هو القيام بحد أدني من الحركة والضجيج لذر الرماد في عين  الراعي الأميركي دون أن يزعج الراعي السعودي.

قبل أسابيع كتب أخونا غسان الشهابي محذراً من أن يسلق الحوار وأن يؤخذ بخفة  تجعله "ينتهي إلى توصيات وأطنان من الأوراق المحبّرة، شأنه شأن الكثير والكثير من المؤتمرات وورش العمل والملتقيات والمنتديات بل والقمم أيضاً التي يدعو إليها الجميع ولا ينقصها سوى الإيمان بها، والإرادة السياسية لتفعيلها". وللأسف فليس ثمة ما يشير أن أحداً في السلطة يؤمن بالحوار. فطوال عقد "المشروع الإصلاحي" كان الملك  أو عمه يعطيان الأوامر و التوجيهات وكان على الآخرين السمع والطاعة. ومن لم يسمع ولم يطع حلّت عليه لعنة الإعلام البلطجي أو نالت منه أجهزة الأمن.

أكرر هنا ما قاله أكثر من قيادي من قيادات المعارضة بمن فيهم من في السجن الآن من أمثال الأخوة عبدالوهاب حسين وحسن مشيمع وإبراهيم شريف : نعم للحوار.  ولكن مع من؟ هل سيكون حواراً مع من يملك القرار في النظام القائم أم مع أطرافه أو حتى مع وكلائه؟ فمعلومٌ أن النظام  يمثل العائلة الخليفية بجميع أجنحتها ومراكز القوى فيها. ويستطيع أي طرف فيها التحكم بمجريات الأمور إستناداً إلى قدرته على الإستنجاد بقوى إقليمية كما فعل خليفة بن سلمان حين إستنجد بالسعوديين في السابع عشر من مارس. أي بعدما أيقن أن الملك كان على وشك التضحية به حسب النصيحة الأميركية ولضمان إستقرار حكم العائلة.  

 لا يملك طرفٌ بمفرده ضمن توازانات العائلة الخليفية أن يلزم النظام بنتائج الحوار حتى ولو تعددت ألقابه ومناصبه ,كما هو حال ولي العهد. فرغم كل ماقدمه ولي العهد للأميركيين قبل دخول القوات السعودية لإإنه لم يتمكن من الوفاء بأي منها. ولهذا لم تستقل الحكومة ولم يُزح رئيسها رغم أربعين سنة من الفساد والإفساد. فلو حدث هذا أو ذاك لعرفنا أن العائلة  الخليفية قد توافقت فيما بينها. ولعرفنا أيضاً أنها مخلصة في دعوتها للحوار وجادة في رغبتها في الوصول إلى مخرج من أزمة أوقعت البلاد فيها.   بل على العكس. فما زالت العائلة الخليفية وفي مقدمها الملك وعمه وولي عهده تراهن على القبضة الأمنية مدعومة بالبلطجة الإعلامية.  

و بطبيعة الحال فليس لوكلاء النظام حولٌ في هذا المجال ولا قوة.  فهؤلاء يأتون من هوامش النظام.  وينطبق هذا القول على رئيس مجلس النواب خليفة الظهراني  كما إنطبق على الوزير السابق مجيد العلوي قبله بسنوات. إلا أن لتكليف هؤلاء الوكلاء بمهمات "الحوار" فائدتيْن تستندان إلى سرديات موروث الغزو التي تعتبره العائلة الخليفية الأساس التاريخي لشرعنة حكمها في البحرين. الأولى هي تكرار تأكيد العائلة الخليفية على أن البحرين هي غنيمة  غزوة 1783. ولهذا فهي لا تعترف لأحدٍ بحق التدخل في الكيفية التي تتصرف في البحرين بإعتبارها وأهلها أسلاب الفتح.   فما بالك بمن يطالب بمشاركتها في إدارة البلاد؟  والفائدة الثانية هي تكرار تأكيد العائلة الخليفية على حقها المطلق في إتخاذ القرار النهائي في جميع الأمور كبُرت أو صَغُرت وبغض النظر عما يتوصل إليه هذا الوكيل أو ذاك في جلسات الحوار مع هذا الطرف المعارض أو ذاك.  فسواء نجح الوكيل المكلف في مهمته أو فشل تحتفظ العائلة الخليفية بحقها في تغيير من يمثلها من الوكلاء. وبطبيعة الحال  فهي تحتفظ بحقها في الـتنّكر لنتائج الحـوارفي حال جاءت تلك النتائج على غير ما تشتهي.

أكرر هنا ما قاله أكثر من قيادي من قيادات المعارضة بمن فيهم من هم في السجن الآن.  نعم للحوار.  ولكن حوارٌ حول ماذا؟  هل سيكون حواراً حول سبل تخليص البلاد وأهلها من نظام الحكم القبلي تمهيداً لبناء دولة  عصرية ودستورية؟ هل سيكون حواراً من أجل تحديد الأليات السياسية والخطوات العملية للازمة لتحويل البحرينيين من رعايا إلى مواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة المتساوية وإستحقاقاتها؟  وهل سيكون حواراً يهدف لوضع الأليات اللازمة لمصالحة وطنية تبدأ بمحاسبة المسئولين عن إنتهاكات حقوق الناس والوطن طوال أكثر من خمس عقود مضت؟ بطبيعة الحال لن يقترب الحوار من أي من هذه الأسئلة ومثيلاتها. فما يتوخاه النظام من جلسات الإستماع التي سيتولاها الظهراني هو كسب الوقت أو, في أحسن الأحوال,  إيجاد فرص لعقد الصفقات الجانبية والمقايضات.  فكم وعدوا وكم كذبوا.

لا أرى أملاً يُرجى من جلسات "حوار حول التوافق الوطني" التي سيتولى إدارتها الظهراني. فهو لن يتمكن من توفير ما عجز ولي العهد عن توفيره من ضمانات لازمة لإنجاح الحوار ولإلزام السلطة بنتائجه. ولهذا فلن تكون الهذرة تحت رعاية الظهراني أفضل من الجلسات الحوارية التي تتم في أيٍ من مجالس العوائل المنتشرة في مختلف مناطق البلاد. هذرة لا يتوقع أحدٌ أن تقود إلى قرار. فلو أرادت السلطة أن تحاور أحداً بجدية لبدأ الملك نفسه بمحاورة القيادات الوطنية التي حكمت عليهم محكمته العسكرية بالسجن المؤبد. لكن الملك لا يريد ذلك  بل هو لا يملك أن يفعل ذلك.


*أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوند - السويد

التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus